فوزي آل سيف

42

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

والبنت كانت تتمتع بمشاعر وعواطف أمها وأبيها. حتى رُزقا بأخرى. وهذه سوف تشارك أختها في تلك العواطف التي تتصور الأولى أنها ملكها الخاص! غير أن الحاسد أسوأ حالًا من الغائر، إذ ليس له أي ارتباط مع مال زيد. فهذا من عشيرة وذاك من أخرى! ومع ذلك ينفَس عليه ويصعب أن يحظى هذا بمال وهو محروم منه، أو يحظى بزوجة جميلة مطيعة وهو لا يملكها. فيتمنى لو زالت هذه النعمة منه. كما يختلف عن الغبطة وهي رؤية ما لدى الغير من نعمة وتمني أن يكون له أي لمن يغبط مثلها أو أكثر من دون أن يتمنى زوالها من صاحبها. وهذا من الناحية الشرعية ليس ممنوعًا بل هو ممدوح وسيأتي الحديث فيها. مراتب الحسد: وهو – أي الحسد - على درجات؛ كما ذكر ذلك الشهيد الثاني[86] رحمه الله في كتابه كشف الريبة في أحكام الغيبة. فإنه رحمه الله في سياق الحديث عن أسباب الغيبة، ذكر الحسد وأنه يبعث على غيبة الآخرين؛ وذكر أربع مراتب: "الأولى: أن يحب الحاسد زوال النعمة عن المحسود وإن كانت لا تنتقل إليه"، ويرى أن هذا غاية الخبث وأعظم أفراد الحسد. إذا رأى صاحب المال يتمنى أن يحترق ماله! أن تخسر أسهمه! ويرى صاحب الزوجة الحسناء الصالحة، فيتمنى لو تموت بالسرطان! تسأل ماذا ينفعه ذلك؟ الجواب: لا شيء! لا المال انتقل إليه ـ الحاسد ـ ولا الزوجة صارت له ولا الوجاهة الاجتماعية أصبحت تاجا على رأسه.. المهم أنها زالت من صاحبها وأصبح محروما من كل ذلك! ولا ريب أن هذا يكشف عن نفس مريضة للغاية! ولذلك قال عنه إنه أعظم أنواع الحسد خُبثًا. هو لا يرتاح حين يسمع أحدا يمدح شخصًا بشيء! فإذا قيل له إن فلانًا قد بنى من المساجد والمراكز الاسلامية أو الاجتماعية كذا وكذا.. انبعث ليقول: ليس المهم أن يبني الإنسان الحجر، إنما المهم أن يكون ذلك بنية خالصة من غير رياء! وفي الواقع هو لا يهمه النية الخالصة وإنما يصعب عليه أن يُثنى على غيره! ويتمنى لو كانت هذه السمعة الحسنة تزول عن ذلك الشخص! حتى لو لم تأتِ إليه هو! وهذا من الامتحانات التي من ينجح فيها فقد نجا من الحسد، امدح شخصًا بما فيه من صفات حسنة أمام آخرين ستجد أن بعضهم يأتي بأمور لا ترتبط بما تقوله إلا بمقدار ما تسبب التشويش على مدحك إياه! فقد تقول إنه عالم أو فقيه أو كاتب ناجح أو ما شابه!! فيقفز هذا الحاسد ليقول لك ـ مثلا ـ لكن تقليده غير صحيح! والغرض ليس إلا إفساد هذه النعمة وهي سمعته الحسنة! المرتبة الثانية: أن يحب زوال النعمة إليه لرغبته فيها، لا مجرد زوالها عن صاحبها.

--> 86 ( الشهيد الثاني: 911 - 966 هـ‌ زين الدين بن علي بن أحمد العاملي الجبعي: فقيه مجتهد، ولد في جبع (بلبنان) أخذ العلم في بلده ثم قصد مصر، فالحجاز، فالعراق، فبلاد الروم. دارسا ومدرسا، وأقام أشهرا في الآستانة فجعل مدرسا للمدرسة النورية ببعلبك وكان يدرس الفقه على المذاهب لإحاطته بها وشى به بعض أعدائه إلى السلطان، فطلبه، فعاد إلى الآستانة محفوظا، فقتله المحافظ عليه وأتى السلطان برأسه. له الكثير من الكتب، ويعده بعض العلماء من أعلم فقهاء الامامية.. من كتبه (مسالك الأفهام إلى شرائع الاسلام - ط) في الفقه الاستدلالي و(الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية - ط) و (كشف الريبة في أحكام الغيبة) وغيرها...